الشيخ السبحاني
245
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وقد فسّر غير واحد من المفسرين كلا الأجلين بما ذكرنا ، وذكر الرازي الوجه المروي عن حكماء الإسلام وقال : « إنّ لكل إنسان أجلين أحدهما : الآجال الطبيعية والثاني الآجال الاخترامية . أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصونا عن العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني . وأمّا الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بالأسباب الخارجية كالغرق والحرق وغيرهما من الأمور المنفصلة » « 1 » . وقال العلّامة الطباطبائي : « إنّ الأجل أجلان : الأجل على إبهامه ، والأجل المسمى عند اللّه تعالى . وهذا هو الذي لا يقع فيه تغيير لمكان تقييده بقوله « عنده » ، وقد قال تعالى : وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ . وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغير ولا يتبدل ، قال تعالى : إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ « 2 » . فنسبة الأجل المسمى إلى الأجل غير المسمى ، نسبة المطلق المنجز إلى المشروط المعلق ، فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذي علّق عليه ، بخلاف المطلق المنجز ، فإنه لا سبيل إلى عدم تحققه البتة . والتدبّر في الآيات يفيد أنّ الأجل المسمى هو الذي وضع في أم الكتاب ، وغير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه ب « لوح المحو والإثبات » . وبتعبير آخر : إنّ أم الكتاب قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى أسبابها التامة التي لا تتخلف عن تأثيرها ، ولوح المحو الإثبات قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة التي ربما نسميها بالمقتضيات التي يمكن اقترانها بموانع تمنع من تأثيرها » « 3 » .
--> ( 1 ) مفاتيح الغيب للرازي ، سورة الأنعام ، آية 2 . ( 2 ) سورة يونس : الآية 49 . ( 3 ) الميزان ، ج 7 ، تفسير سورة الأنعام ، الآية الثانية ، ص 9 .